ورحلت اخيراً صديقتي . هي لم تكن الساعة العتيقة أو الساعة الجديدة في حمص.. وفي حمص لا يوجد بحر, إلاَ أنها الهرم و البحر و المدخل و النقطة العلامة و السبب و المسبب لدخولي حمص لا بل هي كانت حمص ذاتها . توقفت عن النبض و الحديث بعد أن بثتني على الهاتف منذ أقل من أسبوع عتابها و شوقها لتلمس شعري و ضمي إليها و سماع أخباري أنا و أخوي . وعدتها بأن أزورها قريباً و حلفت لها بأني قادمة .. و بالفعل أنا في حمص الآن أزورها لكن من بعيد .. و لم تضمني ولم تشم رائحتي , كانت جسداً صامتاً أبيضاً حزين . تحولت " منيرة " إلى ذكرى مثل كل الذين نحبهم بالرغم من أنَ أكثرهم ما زال على قيد الحياة . سيقولون أعلم أصحاب العقول الخشبية و العبارات الموروثة " أوه اكلت عمرها " و أنا أقول : نعم لكنني لم أكتفي أو أشبع منها .. هي أم وجدة لكثير من الأحفاد لكنني أشعر بأنها تخصني وحدي لأنها سكنت فيَ بصوتها و تمنياتها و احلامها و حنانها . رحلت جدتي " منيرة " لترحل صديقة دائمة مستبعدة رغماً عني و مؤتمنة الجانب, كنت أخلع همومي عني لترتديها هي قليلاً , و كنت أبكي و أشكو و أصرخ, كما كنت أصحك حين يزول المرض عنها فجأة لتقلي لي بيضة, وكنت أفرح و يتجمع الدمع في داخلي حين كانت العجوز تؤنب أبي و كأنه طفل صغير صارخة في وجهه " على الأقل أسمعني صوتك فسماع صوتك وكانني رأيتك امامي " . يا جدتي ماعاد لدي جدة , صرت وحيدة مجدداً بدون رؤيا.. و حكاية.. و وصية أونصيحة .. يا جدتي بقي صوتك مع صورتك و بطل قصصك معنا بينما نتساءل هل سيتذكرنا أحد مثلما نتذكرك ؟! .
.
.
الاربعاء, 26 اغسطس, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








